يحيي بن حمزة العلوي اليمني
130
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
لكونه مشتملا على لطائف كثيرة ، ويتفرع إلى فنون واسعة ، تتفاضل فيها المراتب ، وتتفاوت فيها الدّرج في أساليب النظم والنثر ، والتبريز فيه قليل ، فما قلت ألفاظه وكثرت معانيه فهو الإيجاز ، وما كثرت ألفاظه وكان فيها دلالة على الفوائد فهو الإطناب ، وما كثرت ألفاظه من غير فائدة فهو التطويل ، وما تكررت ألفاظه المتماثلة فهو التكرير ، وقد قررنا هذه المعاني من قبل فأغنى عن إعادتها ، فهذا ما أردنا ذكره في تقسيم الإطناب والله الموفق . المبحث الثالث في ذكره أمثلة الإطناب اعلم أن هذا النوع من علم البيان كثير المحاسن واسع الخطو لطائفه بديعة ، ومداخله دقيقة ، فلنورد أمثلته من كتاب الله تعالى ثم من السنة الشريفة ، ثم من كلام أمير المؤمنين ومن كلام البلغاء ، فهذه أنواع أربعة : النوع الأول ما ورد فيه من كتاب الله تعالى فمن ذلك ما ورد في صفة الجنة على جهة الإيجاز قوله تعالى : وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ ( 71 ) [ الزخرف : 71 ] فهذه نهاية الإيجاز ، فإنه قد استولى على جميع اللذات كلها من غير إشارة إلى تفصيل ، وكذلك قوله تعالى : فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [ السجدة : 17 ] فهذا أيضا دال على غاية اللذة بأوجز عبارة وألطفها ، ومنه قوله تعالى : وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً ( 20 ) [ الإنسان : 20 ] وقوله تعالى : تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ ( 24 ) [ المطففين : 24 ] إلى غير ذلك من الإيجاز البالغ ، والإطناب كقوله تعالى : مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى [ محمد : 15 ] وقوله تعالى : فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ ( 10 ) لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً ( 11 ) فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ ( 12 ) فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ ( 13 ) وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ ( 14 ) وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ ( 15 ) وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ ( 16 ) [ الغاشية : 10 - 16 ] وقوله تعالى : يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ ( 17 ) بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ ( 18 ) لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ ( 19 ) وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ ( 20 ) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ ( 21 ) وَحُورٌ عِينٌ ( 22 ) كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ ( 23 ) [ الواقعة : 17 - 22 ] ومن ذلك قوله تعالى : فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذاباً ( 30 ) إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً ( 31 ) حَدائِقَ